الجمعة، 22 أكتوبر، 2010

أساطير الخلق عند الشعوب



كيف ظهر العالم







امرأة أفعى عند الايثروسكيين القدماء




لقد اهتم الناس دوماً بالبحث عن إجابات لأسئلة مثل، ماذا كان يوجد على سطح الأرض قبل أن تنبت أول شجرة، ويتفتح أول كم زهرة، ويخر أول جدول ماء، وينقر أول فرخ طير أول بيضة، ويظهر أول كائن بشري، ويتعالى صوته بالكلا. وأخيراً ما الذي كان موجوداً قبل أن توجد الأرض نفسها؟ وتشغل هذه الأسئلة وما شابهها مكانة مركزية في الأساطير، وتعطي هذه الأخيرة إجابات مختلفة على كل منها، لكن هذه الإجابات متشابهة بحطوطها العامة. وتروي أقدم الأساطير عن بدء العالم روايات مختلفة عن تلك التي ترويها الأساطير الأحدث عهداً. ففي واحدة من الأساطير الأسترالية مثلاً، ترتسم اللوحة التالية. يروي أحد الأستراليين الأصليين من قبيلة ديافون قائلاً: "هذا الزمن الأول، زمن خلق العالم، نحن ندعوه بيينغانا. وندعو الكائن الأول باسم ايينغانا. ونعتقد أن ايينغانا هي أمنا. لقد صنعت ايينغانا كل شيء: المياه، والصخور، والشجر، والبشر السود؛ وهي التي صنعت الطيور كلها، والثعالب الطائرة، وكل الكنغر والايما. وفي ذلك الزمن البدئي كان كل شيء موجود في داخل ايينغانا.

وايينغانا أفعى. ابتلعت الناس السود كلهم. ابتلعتهم عميقاً جداً تحت المياه. ثمّ خرجت من هناك وكان حجمها مهولاً بكل ما تحمل في وفها لقد خرجت ايينغانا من هاينغونغا، المجمع المائي الرحب الواقع عند بامبو-كيرك. والتفّت حول الأرض حلقات هائلة وكانت تئن وتصرخ، فأحدثت مع الناس السود وما في داخلها كله صخباً مخيفاً.

وكان ثمة عجوز يدعى بارايا قطع طريقاًَ طويلة، وكان يسمع على طول الطريق صراخ ايينغانا وأنينها. فاقترب بارايا خلسة ورأى ايينغانا: أفعى مهولة تنفث، وتئن، وتفح. فرفع بارايا رمحه الحجري وأخذ يراقب الأفعى كي يحدد المكان الذي سيطعنها فيه. ونجح بارايا فضرب الحية. لقد اخترق رمحه نقطة تقع قرب الفتحة الأولى. فانبجس الدم من الجرح، وتبعه خارجاً من الجرح كل الناس السود.

وأخذ دينغو كانداغون يطارد هؤلاء. فشتتهم مقسماً إياهم إلى قبائل شتى تتحدث لغات مختلفة. وعندما طارد كانداغون الناس السود، تحول بعضهم إلى طيور طارت محلقة، وتحول بعضهم الآخر إلى كنغر، والثالث إيما، والرابع إلى ثعالب طائرة، ودلادل، وثعابين وأي شيء آخر ينقذهم من كانداغون.

وفي ذلك الزمن البدئي، قبل أن يطعن بارايا إيينغانا برمحه، لم يكن بمقدور أحد أو شيء أن يولد كما الآن. ولذلك غرز بارايا رمحه في إيينغانا.

لقد سار العجوز بارايا من الشرق إلى الغرب. فبعد ان غرز رمحه في إيينغانا، أخذ العجوز طريقه عائداً إلى دياره في بارايا فيم. ورسم هناك صورته على صخرة وتحول بعد ذلك إلى الكوكابارا الزرقاء الجناحين.

لقد صنعت إيينغانا الأنهار، ولدينا الآن ماء. واستقرت هي على القاع. لديها وكر هناك. وفي موسم الأمطار، عندما يحلّ أوان مياه الفيضانات تنهض إيينغانا من الماء. وتراقب ايينغانا البلاد فهي تطلق كل الطيور والثعابين، والوحوش، وأطفالنا الذين لنا...

وتمسك ايينغانا بخيط الحياة الذي يدعونه تون فلا تتركه لحظة واحدة ولذلك ندعوها أمنا. وعندما نموت تطلق ايينغانا الخيط. ويوماً ما سأموت، وستذهب روحي ماليكنغور، في طريق بولونغ، الثعبان- قوس قزح. وهذا معناه أني مت في مكان آخر. ولذلك فإن روحي ماليكنغور، سوف ترجع إلى بلادي، إلى المكان الذي ولدت فيه. وهذا ما يفعله روح كل إنسان.

وتمنح ايينغانا النفس للرجال والنساء. إنها تمنحهم النفس منذ الطفولة. وأنت لن تستطيع أن تجد الروح بنفسك. وإذا ما ماتت ايينغانا فإن كل شيئ سيموت. ولن يكون ثمة عندئذٍ كنغر، أو طيور، أو بشر سود، لن يكون هناك شيء، ولن يكون ماء. وعندئذٍ سيموت كل شيء".

وهكذا أيضاً أو بصورة مشابهة فسرت أساطير الصيادين واللقطة البدائيين ظهور العالم. لقد كان هؤلاء على قناعة راسخة أنه "في زمن الأحلام" عاشت على الأرض كائنات عجيبة، أسلافهم الأوائل الذين خلقوا العالم. وصاحبنا بارايا كان يمكنه أن يظهر في صورة بشرية، لكنه يستطيع أيضاً أن يرتدي إهاب أي وحش، أو طير، نملة، أو فراشة، أو أي كائن طبيعي آخر.

ولم يصل إلينا من مثل هذه الأساطير إلا قلة قليلة، وما وصل منها خضع فيما بعد لإعادة الصياغة. وفيها تظهر الأرض المصنوعة، أو العالم على وجه العموم، في صورة وحش، أو أن أحد ممثلي مملكة الطبيعة يؤدي وظيفة مسند الأرض. ففي أسطورة شعب آسي الذي يعيش في جنوبي الصين أن الأرواح الآدي والآجي صنعت السماء والأرض من جسد فراشة عظيمة الحجم. وتروي واحدة من أساطير الهنود الحمر في شمالي أمريكا، أن العالم الموجود الآن كان قد خلق من جسد كلب أسطوري مزقه أحد العمالقة إلى لأشلاء. وحسب معتقدات بعض شعوب سيبيريا، أن العالم جسد أيل مهول: الغابات شعره، والحيوانات طفيليات جسده، والطيور، البعوض الحائم فوقه. وعندما يتعب من الوقوف يتحول من ساق لأخرى، فتقع الهزات الأرضية. وهناك أيل آخر يقف تحت هذا الأيل يشبهه تمام الشبه، إنه العالم الآخر، ويبدو كل شيء فيه تماماٍ كما على الأرض، ولكن في وضعية مقلوبة.

ولكن الميثولوجيا الأحدث عهداً ترسم لوحة مغايرة لخلق العالم. ةالبداية مختلفة كلياً.



في البدء كان....






الإله كايو ماري
يخلق العالم من امرأة


رسم للفنان المعاصر ب. سانتشيس الذي ينتمي إلى شعب الهويتشول في أمريكا.



  لم يكن ثمة شيء في البدء. لا الشمس، ولا القمر، ولا الكواكب. كانت المياه تملأ المكان الا محدود كله. وكانت هذه قد ظهرت من الخراب الكوني الأول، الذي استقر ساكناً دون حركة، وخرجت المياه من ظلامه قبل المخلوقات الأخرى كلها. وولدت المياه النار. ومن طاقة الدفء العظيمة تشكلت فيهما بيضة كونية. ولم يكن الوقت قد ظهر بعد، ولم يكن ثمة من يقيسه، لكن البيضة الذهبية عامت بقدر ما طالت السنة في مياه المحيط الذي لا شاطئ له ولا قاع. وبعد سنة خرج من الجنين الذهبي ، الكائن الأول براهما. لقد كسر براهما البيضة، فانشطرت هذه إلى نصفين: النصف الأعلى صار سماء، والنصف السفلي صار أرضاً، ووضع براهما بينهما المكان الجوي، هكذا قسمها. لقد ثبّت براهما أركان الأرض في وسط المياه، وخلق جهات الكون، ووضع بداية الزمان. وبذا تكون قد خلقت المعمورة. هذه هي بداية الأسطورة الكوسموغونية الهندية القديمة. وكنا قد أشرنا سابقاً إلى أن هذه الأساطير بالذات (= أساطير نشوء الكون) كانت هي الأساس في تقاليد كل شعب. لماذا؟ لأن المهمة الرئيسية بالنسبة للإنسان القديم تمثلت في الاستغلال العملي للعالم: لقد حاول هذا جاهداً أن يبني علاقاته مع العالم بشكل متناسق متناغم، يجعل حياته تدخل في نسيج حياة الطبيعة. ولكن لكي ينجح الإنسان القديم في بناء علاقات صحيحة مع العالم المحيط به، كان عليه أن يفهم بنيته. وليستطيع الإنسان أن يعرف بناء العالم، كان عليه أن يعرف أولاً كيف ظهر: كان هذان السؤلان يمثلان السؤال نفسه بالنسبة للإنسان القديم.

إذن "في البدء لم يكن ثمة شيء"، أو بمعنى أدق لم يكن سوى الخراب (=الكاوس). وكلمة "كاوس" كلمة إغريقية معناها "بلعوم" ، "مكان منتشر خال". ونحن لا نعثر في أساطير الصيادين البدائيين على صورة هذا الكاوس، لأنها لم تظهر إلا بعد ذلك، وعندما ظهرت لم تأخذ شكلاً واحداً في مختلف الميثولوجيات. إنني لا أعرف شيئاً يشبه كاوس الأساطير القديمة؛ غنه من الصعب جداً وصفه بالكلمات: كيف يمكنك أن تصف ما لا وجود له، لكنه في الآن عينه موجود؟ تقول فيولفا المتنبّئة في الأساطير السكندينافية: " في بدء الأزمنة لم يكن في العالم رمال، ولا بحر، ولا أمواج باردة، ولم تكن الأرض موجودة بعد، ولا السماء، اللجة كانت تتلألأ، والأعشاب لم تكن قد نبتت". ولكن لجّة هينونغاغاب السحلرية كانت موجودة وقتذاك.

الكاوس (=الخراب الكوني) هو الا نهاية، ظلام دامس، لجة فاغرة، المحيط الكوني الأول، هوة كئيبة، وحدة مندغمة؛ إنه مستحيل، مرعب، كئيب، مفرغ، لكن فيه إمكانات كامنة غنية، وعناصر خلق لا حدود لها. وكان الوجود كله منصهراً فيه، فكل ما هو موجود في عالمنا المنظم، موجود في صورة مبهمة، جنينية. فحسب الأاطير السومرية مثلاً، أن المكان كله مملوء بالمحيط الكوني الذي تختبئ فيه الأم الأولى نامّو. أما الملحمة الكونية الأكادية "إينوما إيليش" (= عندما في الأعالي)، فهي تبدأ بالكلمات التالية:


عندما لم تكن السمـــاء في الأعالي قد سّميت

ولم يــــــكن لليابــــــــسة تحــــــت تــــــسمية

جمع الوالد الأول أبسو، الذي خلق كل شيء،

والأم الأولى تيامــات التي ولدت كــل شيء،

مياههمــــــــا في كـــــــــــــل واحــــــــــــــد..


وهكذا، عندما بدأ العالم لم يكن فيه سوى كاوس المياه المالحة تيامات، والمياه العذبة أبسو، ثم أخذت تظهر فيه الآلهة، وكانت هذه في واقع الأمر شتى ظاهرات الطبيعة. وفي الأول ظهر لحمو ولاحامو، أي " القذارة" و "المخّاضات الطينية:، ثم ظهر أنشار : " الحلقة السماوية" ، وكيشار: " الحلقة الأرضية" ؛ وبعد ذلك ظهر كل شيء.ولنأخذ على سبيل المثال الأساطير المصرية القديمة . ففي أحداها يقول الإله الخالق آتوم: " لم تكن السماء قد وجدت بعد، ولم تكن الأرض موجودة. ولم تكت التربة قد ظهرت، ولا الثعابين في هذا المكان. لقد خلقتها أنا هناك من نون، من العدم: لم أعثر لنفسي على مكان أستطيع أن أقف عليه....". إذن، لقد كانت اللجّة البدائية نون هي البيئة التي ولدت الحياة فيها. وهناك واحدة من التنويعات الأخرى لأسطورة الخلق، ربطت ولادة الحياة بهضبة بدائية. ويبدو على أغلب الظن أن الواقع الجغرافي هو الذي يقف خلف هذه الرؤية: عندما تغمر مياه فيضان النيل الحقول ثم تنحسر، تترك خلفها في المكان كومات من الطمي الخصب؛ وقد وضع الفلاح المصري كل أمله بالمحصول المنتظر في ذلك الطمي. وإذ يلفح حر الشمس كومات الطين تتشقق، ولذلك تبدو فكرة ولادة الحياة من الهضبة البدائية بن-بن طبيعية تماماً بالنسبة للمصريين القدماء.

ويروى في واحدة من الأساطير أن الخلق حدث على هضبة في مدينة هرمو بوليس. ولكن هذا يعني في الوقت نفسه أن الآلهة كانوا يعيشون هناك قبل ذلك، أي قبل الخلق. فهل في الأسطورة خطأ؟ كلا، فلو أمعنا قليلاً في أسماء الآلهة، لتبين لنا أنها تمثل مختلف صفات الكاوس، فهؤلاء هم: الأوغادوادا، أو الآلهة الثمانية الذين كانوا موجودين قبل البدء. وقد تألفت هذه من نون: المياه البدئية، وزوجته ناونيت: عكس المساء، وخوخو: المكان اللا متناهي، الهيولي؛ وخاوخيت زوجته: اللا نهاية، وكوك: الغيهب الديجور، وزوجته كاوكيت: الظلام والديجور؛ وآمون: المكنون، الكاوس الذي لا يدرك، المستحيل، وزوجته أمانيت: المكنون والخفي. وهكذا تنقل الأوغادوادا صورة الكاوس ةفكرته: الخراب، الفوضى البدئية.

وتحمل أساطير الشعوب الأخرى صوراً مغايرة للفوضى الكونية. ففي الأساطير الصينية يدعى الخراب الكوني (= الكاوس= الفوضى الكونية)، (خون-تون)، ويقدم كائناً شبه بشري لا شكل له بدون أذنين، أو عينين، أو أنف، أو فم وسوى ذلك من الفتحات؛ أو كلباً برياً، أو دباً. كما تجسد الكاوس أحياناً في صورة وحش مفزع، أو أفعى – تنين: الهندي القديم فريترا خصم الإله إيندرا، أو الأوغاريتي يمّو خصم الإله بعل. وعند البامبارا الأفارقة إن الكاوس هو فراغ متحرك، وهو عند الماوري البولينيزيين فراغ يمكن وصفه بالتفصيل كما يلي: تيي كوري، أي "فراغ"؛ تي كوري توا-تاهي، أي " الفراغ الأول"؛ تي كوري توا-روا، أي " الفراغ الثاني"،؛ تي كوري توا-نوي، أي " الفراغ الذي لا شاطئ له" ؛ تي كوري روا-بارا، أي " الفراغ غير المليء"؛ تي كوري روا، أي " الفراغ الممتد بعيداً". ويجب ألا نعتقد أن وصف الفراغ يتوقف عند هذا الحد.

وتسوق التوراة صورة شبيهة للخراب الكوني: " كانت الأرض غير مرئية، والظلام يلف اللجة،...". إذن قبل أن تظهر السماء، والأرض، وكل ما هو حي في العالم، بل العالم نفسه، كان الخراب هو السائد. ثم وخلق العالم وكل ما هو كائن فيه. فكيف حدث ذلك؟



كيف خلق العالم






إله الماء
معبد في مملكة ماري



غالباً ما يعد الماء في الأساطير العنصر الأول من عناصر الكون. وقد بجّل القدماء ماهيته التطهيرية وتأثيره المانح الشباب. وأكد ك.هـ. يونغ على أن الماء هو رمز اللا وعي الأكثر تواتراً.

لا نعثر في الأساطير على إجابة متماثلة لهذا السؤال. فهنا أيضاً كما في صور الكاوس، لوحة غنية فيها شتى التنويعات التي يفوق واحدها الآخر تعبيرية. فأساطير ماري على سبيل المثال تشرح ولادة العالم هكذا: بعد الفراغ الذي ساد في البدء، حل عصر الغسق الأول، وتلا ذلك وقت النهار الأول. ثمّ حل بعده طور "المكان"، الذي حل عصر الرطوبة في إثره، وأخيراً ولد الوالدان البدئيان: الأرض – بابا والسماء- رانغي.

ومثلما نبني البيت من الآجر، كذلك بني العالم من عناصر البيئة، أو العناصر الأولى: الماء، والهواء، والنار، والتراب، وقد أدى الماء الدور الرئيس في أكثر الحالات. وتقول إحدى الأساطير الهندية القديمة : " طبعاً كان الماء هذه كله في البدء". فالماء هو الجوف، هو المهد، هو العنصر الأنثوي، بل لقد ساووا الماياه مع زوجات الإله. وقد رأوا في المياه معطى من العبث التفكير في نشأته. وغدت هذه المياه عنصر بناء الكون ومستنده، أما ظهور الأرض فيها فقد كان إيذاناً ببدء الخطوات الأولى لصيرورة العالم.

لقد شاعت نظريات ميثولوجية مختلفة حاولت أن تعطي تفسيراً لكيفية بدء الحياة على الأرض. فأحياناً من قبضة تراب يرفعها من قاع المحيط البدئي الطائر – الغواص، أو كائن ما آخر، كما جاء في أساطير الهنود الحمر الأمريكيين، وبعض شعوب سيبيريا؛ وأحياناً أخرى تطفو الأرض نفسها في شكل هضبة، كما في اليثولوجيا المصرية واليثولوجيا الهندية.

وفي الأساطير اليابانية إن الزوج الغلهي الأول ايدزاناغي وايدزانامي هما من خلق الأرض، أي الارخبيل الياباني. وكانت تتلاطم تحت قبة السماء التي يقيم فيها الآلهة، أمواج البيئة المائية، فتلقّى الزوج الإلهي أمراً من الآلهة الآخرين كلهم بمنح الأرض شكلاً صلباً وحدوداً واضحة دقيقة. فمضى ايدزانامي وايدزاناغي إلى الجسر المعلق في السماء، وانزلا في الماء الرمح السماوي المرصع بالحجارة الكريمة، وأخذا يحركان الماء به. وتبين لهما أن الماء خال من أي صلابة، ثم وقعا على أرض هلامية تعوم فيه كالرخويات في المحيط. وعندما أخذا الرمن من الماء تصلّبت القطرة التي قطرت من رأسه وتحولت إلى أول جزر الارخبيل.وعلى هذه الجزيرة الصغيرة أقام ايدزانامي وايدزاناغي وحيدين، ثمّ أنجبا جزراً أخرى، وكذلك الآلهة حماة البحار، والأنهار، والشجر، والأعشاب، و...

وحسب تنويعة ميثولوجية أخرى كثيؤاً ما نصادفها لدى شعوب شتى، أن أمواج المحيط البدئي تلاطم بعضها مع بعض، فظهرت جراء ذلك البيضة الذهبية التي جرى الحديث عنها سابقاً. ومن شطرها العلوي صنعت السماء، ومن السفلي صنعت الأرض. ويظهر من البيضة الآلهة في بعض الأساطير، وهؤلاء هم أنفسهم الذين يخلقون العالم: البابلية عشتار التي انبثقت من البيضة في صورة حمامة. وفي أسطورة الازتيك الأمريكيين أن إلهة الأرض هي التي وضعت البداية لكلّ شيء: شطرها الآلهة إلى شطرين شكل أحدهما سطح الأرض، وشكل الآخر السماء، ونبت من شعر الإلهة الشجر، والزهر، والأعشاب، وخرجت من فمها وعينيها الأنهار، والكهوف، ومن أنفها وكتفيها الجبال والوديان.

وفي إحدى التنويعات يشبه الماء الأرض: حسب رؤى الهنود الحمر في جنوبي أمريكا، أن الأرض البدئية كانت طرية لدرجة أن كل شيء كان يغرق فيها. ولم تتحول إلى يابسة إلا فيما بعد، ثمّ بعدئذٍ أخذت تنجب كل ما هو موجود الآن في العالم؟

أما في الميثولوجيا السكندينافية، فقد خلق العالم بطريقة مغايرة تماماً: لقد ظهر نتيجة لسلسلة من تحولات أجزاء جسد العملاق إيمير: حوله الآلهة إلى أرض، وحولوا عظامه إلى صخور، وجمجمته سماء، ودماءه بحراً، وشعره شجراً، وأهدابه مدغارد، أي الأرض التي يعيش عليها البشر؛ ودماغه سحباً. ولكن إيمير نفسه خلق خلقاً: تشكل من تحولات قطرات أنهار ايليواغار السامّة. وكانت هذه القطرات قد تشكلت بدورها من الندى الثلجي الذي طفا على وجه الجليد. وظهرت من الندى الذائب آودوملا أيضاً، وهي البقرة الأولى العملاقة التي أرضعت إيمير لبنها.

ونجد الصورة عينها في الأساطير الصينية: بان-غو الذي يشبه الإنسان، أو كلباً عملاقاً يغطي جسده الصوف، أعطى كل حي بداية حياته. وكان بان-غو نفسه قد ولد من بيضة عملاقة يذكر شكلها بالعالم عندما كان لا يزال مقيماً في الخراب. لقد نشأ بان-غو ونما ثم غفا. وقد استمرت غفوته ثمانية عشر ألف عام. وحينما استيقظ لم يرى أي شيء حوله سوى الديجور الأسود الحالك. فضربه، وانفلقت البيضة محدثة دوياً مروعاً. وفي اللحظة عينها ارتفع كل خفيف ونقي فيها إلى فوق وتشكلت السماء منه، أما الثقل القذر فقد هبط إلى تحت وتشكلت الأرض منه. وتحاشياً لإمكانية اتحاد الأرض والسماء مرة أخرى، ثبت بان-غو رجليه في الأرض وسند السماء برأسه. وفي كل يوم كانت السماء ترتفع أعلى فأعلى والأرض تغدو أكثر سماكة، ومعهما كان بان-غو ينمو. وتتالت العصور والحقب وصار طول بان-غو بطول عمود عملاق، ولكنه بقي واقفاً بين الأرض والسماء يمنعهما من الاتحاد ثانية والعودة إلى حالة الخراب. وأخيراً باتت الأرض والسماء راسختين بقوة، وعندئذً فقط قرر بان-غو أن يرتاح بعد أعماله الشاقة. ولما مات تحول الهواء الذي خرج من صدره إلى رياح وسحب، وظهرت الأرض من جسده، والحجارة من عظامه، والنباتات من شعر جسده، والكواكب من شعر رأسه، والأمطار من عرقه، والشمس والهلال من عينيه، والدروب من عروقه، والرعد من صوته، وتحولت أسنانه وعظامه ونقي عظامه إلى معدن لامع، إلى حجر صلب وجوهرة تبرق، وحتى العرق الذي ظهر على جسده تحول قطرات مطر وندى. وهكذا أعطى بان-غو بموته نفسه للعالم، الذي تحول نتيجة لهذه الأضحية إلى عالم راسخ بديع.

وتعرف الميثولوجيا الصينية روايات أخرى عن خلق العالم. فالداوسيون الذين حافظوا على كثير من الإرث الميثولوجي القديم، يقصون الأسطورة الكوسموغونية (=أسطورة الخلق) في المثل التالي: في زمن ما كان يعيش إمبراطوران إلها الشمال والجنوب اللذان دعوهما : المتسرع والمباغت، وعاش الكاوس بينهما في الوسط. وغالباً ما كان الإمبراطوران يترددان إليه كضيفين فيكرمهما ويحسن ضيافتهما. فعزم الإمبراطوران على أن يشكراه على حسن ضيافته، فأحدثا فيه سبعة ثقوب: العينان، والأذنان، وفتحتا الأنف، والفم. وكان هذان يثقبان ثقباً واحداً كلّ يوم، فمات الكاوس بعد سبعة أيام، وأدى موته إلى ظهور الكوسموس (= النظام الكوني). ويسعى الداوسيون إلى امتلاك فنون السيد كاوس ومهاراته، والعودة إلى البساطة وكمال وحدته البدئية غير المولودة.

أما في اليثولوجيا المصرية القديمة فإن العالم ينبسط بشكل مغاير: من اللجة البدئية نون يظهر الإله آتوم الذي تفل كل ما كان شو ، أي الهواء، وهذا بدوره تجشأ ما كان تفنوت، أي الرطوبة؛ وقد يظهر هذان في بعض الأحيان نتيجة لانقذاف بذور آتوم. ثم ينجب هذان الزوجان الأرض اوزيريس مع ايزيس، وست مع نفطيس. والسماء أي الإلهين غب ونوت، وينجب هذان بدورهما وهكذا ينعكس تاريخ خلق العالم كله من ظهور عائلة الآلهة التسعة الحاكمة. وقد فعلت هذه التاسوعة، أو الاينيادا التي تتألف من أربعة أزواج من الآلهة الأقارب، فكرة الارتقاء نحو النظام الكوني، ونقلت صورته.

كما تحمل الأساطير المصرية القديمة تنويعة أخرى من تنويعات خلق العالم: يسمي الإله بتاح الأشياء بأسماء فتظهر، أي أنه خلق العالم "بقلبه ولسانه" فقط، وهذا ما فعله أيضاً الإله التوراتي؛ ولذلك جاء في الإنجيل: " في البدء كان الكلمة، والكلمة عند الله...".

أما الإله البابلي الأكبر مردوك فقد خلق العالم هكذا: عندما سُلبت "الأم الأولى تيامات والدة كل شيء"، زوجها أبسو الذي قتله انكي الذي يرى كل شيء، تملكها غضب شديد، فخلقت حشداً من الكائنات المتوحشة وعلى رأسه كينغو. ةلما رأى الآلهة منظر تيامات وقوتها مع مثا هذا الدعم، دب الفزع في قلوبهم ولم يجرأ أحد منهم على الخروج إليها سوى الفتى مردوك. وقد تسلح لها بقوس، وهراوة، وشبكة، وأخذ معه رياح الكون الأربع، والعواصف السبع واندفع على تيامات. ففتحت هذه شدقها الواسع لكي تبتلعه، لكنه أطلق فيه الرياح التي نفختها فعجزت عن إغلاق شدقها ثانية، ثمّ رماها بسهم، وشطر جوفها، وبقر بطنها، وانتزع قلبها. وبعد ذلك شطر جثّتها، وتصرف بدهاء:

قطعها نــــــصفين، تمامــاً كأنــــــها قوقعة

وأخـــــذ نصفاً فغطى الســـــــماء بـــــــــه

وصنع أرتـــــــــجة، وأقام حراســـــــــــــاً

فلينظــروا كي لا تتســــــــــرب الميــــــاه..

وصـــنع نجوماً- كواكب على شبه الآلهــة

لـــــقد قســـــــم العام: رســــــــم رســــــــماً

اثني عشر شــهراً نجمياً رتبها ثلاثة ثلاثة..

ثم وضع رأس تيامات، وأهال جبلاً فوقها...

وأطلق دجلة والفرات عبــــــــر محجريها...

وهكذا صــــــنع هو الســــــــماء والأرض.


:ما حدد للآلهة أملاكها، وعرفاناً منهم بالجميل بنى الآلهة لمردوك "بابل السماوية"، وأعلنوا أسماءه الخمسين التي تشهد على سلطته.

وفي اليثولوجيا الأزتيكية حقق الإلهان كيتسالكواتل وتيسكاتليبوكا الفصل بين السماء والأرض. فقد تحولا إلى ثعبانين، ومزقا الكائن المتوحش العائم في المحيط البدئي، إلى أجزاء. وصنعا الأرض من أحدها، والسماء من الآخر. وفي الأثناء كان كيتسالكواتل يبحر في مياه المحيط على متن طوفه المصنوع من الثعابين.

ولكن أساطير المايا تسوق لنا رواية مختلفة عن خلق العالم:


لقــــــــــــــد ولـــــــــــــــــد زمن المايـــــا وأخذ اسمـــــه،

قبــــــــــــــــــــل أن توجـــــــــــــــــد السمـــــــــــــــــــاء،

بــــــــــــــل قبــــــــــــــل أن تســـــــــــــــــتيقظ الأرض.

لقد ولدت الأيام في الشــــــــرق ومضت في طريقهــــــا.

فانتزع اليوم الأول الســــــــماء والأرض من أحشــــائه.

وبنـــــــى الثــــــــاني ســــــــلماً هبط عليه المطـــــــــــر.

وصنع الثالث المد والجزر في البحار، وفصول الســـــنة

وأشــــــــــــــــــــياء أخـــــــــــــــــــرى كـــــــــــــــــثيرة.

وبإرادة من اليوم الرابع مالت السماء والأرض بعضهما

نحو الآخر، ونجحــــــــا في تحقيق اللقاء، فظـــهر الأفـق.

وقرر اليوم الخامـــس أنه ينبغي على جميعهم أن يــــعمل.

ومـــــــــــنح اليـــــــــوم الســـــــــــــادس النــــــور الأول.

وصنع اليوم الســـــابع الأرض هنـــــاك حيث لم يكن لها

وأخــــــــــذ الثـــــــــامن بيديه كل مـــــــــــا على الأرض.

وشــــــــــــكل الـــــــــيوم التاســــــــــع تحــــــت الأرض

وكرس اليوم العاشر تحت الأرض لكل من في نفســـــــه

وصنع اليوم الحـــادي عشر بمشـــــاركة الشمس، الحجر

وصنــــــــع الثـــــــــــاني عشــــــــــــــــــر الريــــــــــــح.

ونفخت الريــــــــح، ولكن بما أنها لم تســـــتطع أن تموت،

فقــــــــــــــــــــــــــد دعيــــــــــــــــــت روحـــــــــــــــــاً...


ولكن مهما تباينت تنويعات الإجابة على سؤال: كيف خلق العالم، فإن إنشاء الأساطير الكوسموغونية يسعى في الحالات كلها إلى تحويل الكاوس البدئي (=الخراب البدئي) إلى كوسموس (= نظام كوني).

ونقف في أحيان كثيرة على تنويعات متباينة لأساطير خلق العالم لدى الشعب نفسه، وليس لدى شعوب مختلفة فقط. فالريغفيدا مثلاً، وهي ديوان الأناشيد الهندية القديمة، تسوق لنا قائمة كاملة من مختلف روايات الخلق، لكنها لا تعطي الأفضلية لأيّ منها. وهذا مفهوم: ثمة في بناء العالم سر ليس الإنسان مؤهلاً لمعرفته. ولن تجد في الريغفيدا إجابة على سؤال: كيف خلق العالم الذي أعده الآلهة للجنس البشري.




كيف بنى هذا العالم






مخطط العالم
عند المكسيك القدماء في صورة صليب



لقد كان لمفهوم محور العالم، أو مركز العالم أهمية فائقة في الأنماط الكونية كلّها؛ ولم يكن نادراً أن يندغم هذا المركز بالكون الأعظم والكون الأصغر.

تشهد الأساطير شهادة قاطعة على أن الناس في مختلف أرجاء الأرض قد رأوا العالم في صورة واحدة تقريباً. ولنمض بادئ ذي بدء إلى الأسطورة السومرية القديمة.

... لا لأحد يعرف كم مضى من الزمان قبل الللحظة التي ولد فيها جبل عملاق على شكل نصف كرة في جوف أم العالم الإلهة الجبارة نامو التي كانت كامنة في جوف المحيط البدئي. وكانت قاعدة الجبل من الطين اللين، وقمته من القصدير النقي اللامع. وقد أقام الإله آن، أقدم الآلهة، على قمة الجبل، واستلقت الإلهة كي في أسفله على قرص مستو عائم في المحيط؛ وكانت الأم الاولى نامو قد أنجبتهما. لقد كان الاثنان مرتبطين بعضهما مع بعض ارتباطاً لا تنفصم عراه. ومن زواج آن وكي ولد إنليل البهي الشفاف كالهواء. وكان يكفي أن يتحرك أي حركة حتى تهب ريح عاتية. وعقب إينليل ولد لآن وكي أبناء- آلهة آخرون. وقد برز منهم السبعة الكبار: الآلهة والإلهات، الأكثر حكمة وجبروتا؛ وأخذوا يديرون العالم ويقررون مصيره. أما الأصغر في عائلة الآلهة فهم الانوناكي الذين دعوهم باسمهم هذا تيمناً باسم والدهم آن. ثم تزايدت أعداد الآلهة أكثر فأكثر.

وفي أعقاب الجيل الأول ظهر الجيل الثاني، وكبر الآلهة والإلهات وتزوجوا وأنجبوا، وأخيراً حل الزحام في أحضان آن- السماء وكي- الأرض. فتوسلوا أخاهم الأكبر إينليل وطلبوا عونه، ولم يكن إنليل يكبر بالأيام بل بالساعات حتى غدى أكبر وأكبر، وأكثر تمرداً وعصياناً. فأخذ هذا سكيناً نحاسية وقطع طرف السماء، فانفصل الإله آن عن زوجته الإلهة الأرض كي وهو يئن متوجعاً. وبقي القرص المستوي الذي كانت الإلهة الأرض مستلقية عليه، طافياً على سطح الأرض، وتشاطأ المحيط البدئي مع أطرافه، أما نصف الكرة القصديري المهول فقد حلق في الهواء وبقي معلقاً هناك: هكذا انفصل الأب- السماء والأم الأرض انفصالاً أزلياً، وامتلأ المكان المترامي الذي تشكل بينهما بكثرة كثيرة من الآلهة...

ويرسم الماوري البولنيزيون لوحة مشابهة للوحة المسمارية. فتروي أساطيرهم:

أن رانغي السماء الأب، وبابا الأرض الأم بقيا زمناً طويلاً مستلقين يعانق أحدهما الآخر، أما أبناؤهما فقد كانوا يتلمسون طريقهم بينهما كالعميان.

وأخيراً قام أحدهم، وهو تانيه- ما هوتا الجبار، أب الغابات، والطيور، والحشرات وكل الكائنات الحية التي تعشق النور والحرية، فثبّت رجليه في الأرض ويديه إلى السماء وجمع كل قواه ودفع الأرض بقدميه.

ونقف على بناء مماثل للعالم الذي خلق لتوه، عند المصريين القدماء. فقد تخيل هؤلاء الأرض في صورة طبق مستو حوافه متغضنة. قاعه الداخلي، هو سهل مصر المستوي؛ وحوافه المتغضنة. هي سلسلة الأراضي الجبلية الغريبة. وكان الطبق- الأرض عائماً في المياه البدئية نون التي ظهرت الحياة منها. وتعلقت فوق الأرض كأس السماء المقلوبة. وتوضع إله الهواء شو بين الأرض والسماء. كان على هذا أن يقف على الأرض راسخاً لكي يسند السماء كلها. وعادة ما صور المصريون الإلهة السماء نوت تميل نحو الأرض منخفضة، نحو الإله غب؛ ولكن الإله الهواء شو يسند جسدها.

أما التوراة فقد صورت السماء على شكل قبة حديدية مهولة، مقلوبة فوق الأرض. فقد جاء في سفر أيوب : "بسط السموات صلدة كالمرآة المسكوبة".

وعلى هذه الشاكاة عينها تخيل التتر السماء في صورة خيمة، ودرب اللبن درزاً خيطت السماء به؛ والنجوم ثقوباً في الخيمة ينفذ النور منها إلى الداخل.

ومن وقت لآخر يفتح الآلهة الخيمة وينظرون الأرض: إنه سقوط النيازك. وتخيلوا السماء في بعض الأحيان غطاء لا يطابق الأطراف تمام المطابقة، فتهب الرياح عبر الثغور، ويعبر الأبطال الشجعان إلى السماء.

وحسب اليثولوجيا اليابانية أن بلاد الديجور تتوضع تحت، وتدعى هذه أيضاً بلاد الجزور، والبلاد الأم أيضاً. وتتوضع فوق هذا الحضيض الذي يشبه العالم المعتاد لنه مظلم لا نور فيه، بلاد وديان القصب الوسطى التي يعيش فيها البشر وكثرة من الآلهة. وإلى الأعلى يتوضع سهل السماء العليا، وتقيم هناك الإلهة الشمس والتابعون لها. ومن الواضح أن هذه العوالم كلها مبنية بناء واحداً، ولذلك يلمع على سهل السماء بحرها، وتخضر حقول الرز فيها، وتنمو في بلاد الديجور الأشجار كما على الأرض.

وأخيراً حسب الأساطير الإغريقية أن المحيط الكوني يحيط بالأرض من جميع جهاتها، وأن كواكب السماء تخرج منه وتغوص فيه بعد أن تنهي رحلتها النهارية فوق الأرض. وعند المياه الغربية للمحيط يقف العملاق الجبار أطلس حاملاً السماء على كتفيه، وإلى جانبه في البستان السحري تعيش بناته الهبيريدات اللواتي تحرسن التفاحات الذهبيّة التي تمنح الشباب الأبدي. كما تتوضع في الغرب لأيضاً حقول الإليزيه، وهي جزر النعيم التي يعيش فيها الأبطال المنتخبون الذين أنقذهم الآلهة من الموت. وفي أعماق الأرض تستلقي اللجة الكئيبة تارتاروس التي يحيط بها الديجور الثلاثي الطبقات، والإعصار الأزلي، والبوابات النحاسية: هي بمثاية السجن الذي ألقى بالطيطانيس الذين هزمهم الأوليمبيون إليه.

والآن ما الذي يجمع بين هذه الأساطير؟ يجمع بينها أن الشعوب كلها تقريباً تخيلت العالم مؤلفاً من ثلاث طبقات كبيرة:

السماء، والعالم الأوسط، أو الأرض، والعالم السفلي.

ولكل طابق من الطوابق الثلاثة سكانه:

في السماء يقيم الآلهة،

وعلى الأرض يعيش البشر،

وفي العالم السفلي يقيم الأموات غالباً، أو كائنات خاصة أخرى.

ولكننا نصادف في الميثولوجيا السكندينافية تصوراً خاصاً لا عن ثلاثة عوالم أو أربعة، وإنما عن سبعة أو حتى تسعة عوالم موجودة في وقت واحد ويسكنها بشر، وآسات، وفانات، وألفات من ذوي اللون القاتم والفاتح، واليوتونات، والدفرغار، أي الأقزام، وكذلك اللأموات.

ويرى العلماء أن هذه البنية الخاصة للعالم تعكس السمات الفريدة للوسط الذي عاشت فيه الشعةب السكندينافية: لقد عاش النروجيون والايسلنديون في شريط من الأرض الساحلية يحيط به البحر والجبال والغابات. ويجب أن نفترض أن عدد العوالم يتصل بالمغزى السحري للأعداد، هذا المغزى الذب لا يزال غامضاً حتى اليوم. ويرتبط به أيضاً عدد السموات. وقد تخيل كثير من الشعوب صفحة السماء صلبة وعدوا أن عليها كما على الأرض، تستقر الجبال، والبحيرات، وينمو الشجر، وأحياناً تسرح الحيوانات. وبقدر ما يكون الإله مهماً بقدر ما يكون مكان إقامته أعلى. فقد زعم الالطائيون مثلاً أن زعيمهم الأكبر اولجين يقيم في السماء التاسعة أو الثانية عشرة أو الخامسة عشرة، أو السادسة عشرة؛ وهو يستوي هناك على عرش ذهبي في قصر ذهبي يقع فوق جبل ذهبي.

وقد تكون السموات عديدة كالعوالم:

أحياناً اثنتان، وأحياناً ثلاث، وأحياناً خمس، أو ست، بل اثنتا عشرة وأكثر. ومن المفيد أن نتذكر في هذا السياق تعبيرنا الدارج: " من فرط السعادة أشعر كأني في السماء السابعة". فجذور هذا التعبير كامنة هنا، في أساطير الخلق القديمة دون ريب. وحسب الميثولوجيا الهندوسية أن سبع طبقات سماوية تتدلى فوق الأرض، وبقدر ما تكون السماء أعلى بقدر ما تكون بديعة أكثر. ويقيم في السموات الآلهة والكائنات الأخرة ذات الطبيعة الإلهية. أما تحت الأرض فتمتد عميقاً طبقات باتالا: العالم السفلي، حيث يعيش الناغا: أنصاف بشر وأنصاف ثعابين، وكائنات أخرى؛ وتنبسط تحت هؤلاء دوائر الجحيم – الناراكي السبع، ويسند الثعبان شيشا هذا كله. وتحيط بهذا العالمالذي ظهر من بيضة براهما، قشرة تفصله عن كثرة لا عد لها من العوالم الأخرى.

الأمر المهم لنا هو إثبات أن الأساطير القديمة كلها تقريباً، رسمت لوحات متشابهة لبنية العالم. ولكن الحكماء أدركوا أن بنية عالمنا اللا متناهية هذه بكل ما عليها ليست أكثر من حلقة متناهية في الصغر من سلسلة حلقات الخلق الإلهي. ويهيأ لنا أن هذا الإحساس كان معروفاً جيداً جداً لدى الحكيم الهندي الأسطوري ماركاندييا الذي أمضى آلاف السنين متجولاً واستغرق متفكراً يريد معرفة سر خلق العالم. وما أن فكر مرة في هذا وإذ به يغرق في ظلام دامس وينبسط حوله كاوس (=خراب.م) مائي. وفجأة يرى أمامه إنساناً يغفو نائماً على هذه المياه، وينبعث من جسده نور. فأدرك ماركاندييا أن الذي أمامه هو الإله العظيم فيشنو؛ ولما استنشق هذا في نومه جم الحكيم في ذاته. وفي اللحظة عينها ألفى ماركاندرييا نفسه في العالم المعتاد: عالم الحقول والغابات، والمدن، والقرى. فظن إنه غفا قليلاً، ثم استأنف ترحاله عبر الأرض. ولنصرمت آلاف أخرى من السنين. ويوماً رأى مرة أخرى حلماً مدهشاً:

لقد رأى طفلاً نائماً على غصن شجرة البانيا في صحراء مقفرة، ينبعث منه ضياء. ومرة أخرى ابتلع النائم ماركاندييا، الذي ألفى نفسه من جديد في العالم المألوف . لكنه أدرك الآن أن ذلك لم يكن حلماً بل حقيقة...





على ماذا يستند العالم





رسم توضيحي من كتاب " عجائب الخلق"


الذي وضعه الكوسموجرافي العربي القزويني الذي عاش في القرن الميلادي الثالث عشر، ويغلب على الكتاب الطابع الميثولوجي لإدراك العالم


في إحدى الأساطير الهندية القديمة أن إله الرعد إيندرا هو الذي خلق العالم. فقد كانت الأرض البدئية تتأرجح وسط الياه البدئية على شكل هضبة صغيرة. ولم يكن لها أي سند، فأخذ إيندرا يعمل على تثبيتها. ولكن التنين فريترا كان يستلقي على تلك الهضبة، واسم هذا يعني: "المقاومة"، "العقبة". فقتله إيندرا بفاجراه حاملة الموت. ونلقى الصورة والمحور نفسيهما في أساطير شعوب أخرى، بمن فيهم الوثنيين السلاف. فنسيب إيندرا السلافي، هو بيرون إله العاصفة الرعدية المسلح بالهراوة، والقوس والسهام، والفأس: لقد رأوا في الصواعق السماوية سهام هذا الإله أو فأسه الطائرة. وتروي الأسطورة قصة الصراع بين بيرون والثعبان، وهي بإيجاز شديد: كان الثعبان ساكن العالم السفلي يخطف سكان العالم الأوسط من قطعان وبشر وما شابه، ويخفيهم في كهوفه؛ ولكن إله الرعد السماوي يفلق بفأسه أو عصاه الصخرة ويحرر الأسرى. ونحن علمياً لا نعرف شيئاً عن الأساطير السلافية؛ فمع اعتناق المسيحية عملت الكنيسة بعناد ودأب على محو الآلهة الوثنية من ذاكرة الناس بصفتها آلهة بغيضة من بقايا " الديانة الدنسة"، ولذلك لم يصل إلينا منها سوى أصداء بعيدة كهذه الأسطورة عن صراع بيرون والثعبان.

ولكن أسطورة هندية قديمة شبيهة بالأسطورة السلافية ومعروفة بشكل أفضل، فالهند لم تعرف انقطاعات مؤلمة في سلسلة الأزمنة كالتي عرفتها روسيا. وتتحدث الأسطورة المعنية عن إيندرا الذي شطر الهضبة حتى أساسها وفتحها. فخرجت الحياة من الهضبة في صورة ماء ونار: الماء في أربعة أنها جرت من أعلى الهضبة، وتحولت النار شمساً ارتفعت إلى الأعلى. وكفت الهضبة البدئية عن العوم في الماء، فاكتسبت قاعدة وأخذت تتنامى في الاتجاهات كلها حتى بلغت أبعاد الأرض المعروفة الآن. لقد سمّر إيندرا الأرض إلى " قاع المياه"، ثم" استقرت الأرض متوازنة، وهدأ الجبل الذي حاول أن يهرب واستقر بحذر".

وتتحدث أساطير خلق العالم كلها عن مسند الأرض؛ ويولى، هذا فيها اهتماماً واضحاً. فثمة عند النينيين السيبيريين حكاية عن رجلين عاشا وحيدين في زمن خلق العالم. ومضى أحدهما يوماً إلى الصيد، لكنّه لم يعثر على طريدة. في طريق عودته صادف الرجل ثقباً في الأرض، فدخل فيه وإذ به يجد نفسه داخل كوخ حديدي. وقد فشل في أن يجد مخرجاً منه فأسقط يده. وفي أثناء ذلك كان رفيقه الآخر قد بدأ يقلق عليه، فأخذ الطبل وغنى أغنيه سحرية، وكان ذلك يعني أنه قد أخذ طريقه بطريقة سحرية ومشى. وها هو يسمع " صوتاً في رأسه": يقول: " لقد وصل رفيقك إلى بيت جدك عجوز الأرض، وهناك يعيش".

ومشى الرجل على آثار رفيقه المفقود سبعة أيام، ووصل في اليوم الثامن لإلى الثقب عينه. فدخله ومشى سبعة أيام أخرى، ووصل في اليوم الثامن إلى الكوخ الحديدي، وخمن أن هذا هو بيت عجوز الأرض. وكان هذا يمسك الأرض بيديه، وقد وضّح الأمر قائلاً: "هذه هي أرضنا الطرية. ولو أطلقتها من يدي لاندثرت في الحال". ثم مضى يقول: " لقد تعبت يداي وبدأتا ترتجفان، وأرضنا غير مستقرة، لذلك أريد أن أجعل منك ثقلاً للأرض. وأريد أن يغدو رفيقك رجلاً للأرض لكي تسندا يدي. وهذا مصيركما، وسوف تقدم لكما ذبائح دمويه". بعد ذلك ترك العجوز مكانه وصار جبلاً مقدساً. ويعتقد النينسيون أن الأرض ذات الطبقات السبع ثابتة لا تتحرك. وحسب رأيهم أن السماء هي التي تتحرك، وتتألف هذه بدورها من سبع طبقات بعضها فوق بعض.

ولكن المسند كان ضرورياً للسماء أيضاً، بل لبناء الكون برمته. ولذلك كانت السماء في الأساطير المصرية القديمة تستند دوماً إلى أربعة أركان قائمة على أطراف الأرض الأربعة. ولهذا السبب عينه تستقر الأرض عند الهنود القدماء على أربعة فيلة جبارة، كما تقول أساطيرهم. ورأى كثير من شعوب الفولغا والقفقاس أن ثوراً مهولاً يسند الأرض بقرنيه، وعندما يتعب وينقلها من قرن لآخر، تقع الهزات الأرضية.

وقد يحدث ألا يكون المسند راسخاً، وتكاد السماء تنهار وينهار معها كل البناء الكوني بصفته منزلاً مبنياً بشكل سيء أو حلت به كارثة. وكادت مثل هذه الكارثة تحدث حسب الخرافة الصينية القديمة، وتسقط سماء الصين عندما عزم روح المياه غون-غون الذي يتحكم بالفيضانات، أن يقتل نفسه وأخذ يطرق رأسه بجبل بوتسجو الذي كان يسند السماء. ومع أن غون- غون بقي حياً إلا أ، محاولته أوقعت كارثة، فالسماء مالت على جنب واحد، والأرض هبطت مما اضطر الإلهة نيوفي أن تتدخل فوراً وتنقذ الوضع: لقد صهرت حجارة من الألوان الخمسة ودعمت بها الأعمدة التي كانت تسند السماء.

ووفق الأساطير اليابانية كما رأينا منذ قليل، أن الأرض لم تكن في الأول صلبة كانت أقرب إلى الرخويات (=قنديل البحر) ومع الوقت ظهر منها ما يشبه نبتات القصب، ثم تحولت هذه إلى إلهين معنى اسميهما "فرخا القصب البديعان" و "الذي استقر في السماء إلى الأبد". لقد ارتبطت عملية ترسيخ الأرض في هذه الحالة بتنامي نبات القصب، وهذه الظاهرة الطبيعية التي كان يمك لليابانيين أن يشاهدوها في أي مستنقع كان.

وقد يظهر مسند الأرض في صورة مغايرة تماماً. فايفينكيو سيبيريا مثلاً، اعتقدوا أن الأرض قد خلقت على يدي ضفدعة رفعتها من تحت المياه. ولكن الإلأه الشرير رمى الضفدعة بسم وقتلها، فانقلبت على ظهرها وسندت بأطرافها الأرض التي تحيط المياه بها من كلّ صوب. أما أساطير الايروكوا في شمالي أكريكا، فهي ترى أن السلحفاة خاخ-هو-خاخ هي التي تسند العالم. ووفق الأساطير الصينية أ، السلاحف تسند الأرض. أما باتاكي سومطرة فهم على ثقة بأن الثعبان ناغا بادوخا ذا القرنين هو الذي يسند الأرض؛ وعندما تتحركرأسه تقع الهزات الأرضية.

ووفق معتقدات الالطائيين أن أولجين الذي خلق العالم أرسى أسس الأرض على ثلاث سمكات تسمى كير-باليك. وكانت السمكة الوسطى بينهن هي السمكة الأساس؛ رأسها يتجه شمالاًظن وهي معلقة من تحت غلاصمها بخطاف على وهق طرفه مثبّت إلى السماء. ويمسك الجبار مانغدي شيري بالوهق، ويراقب في الوقت نفسه حسن سير النظام: وإذا ما تراخى الوصف لا سمح الله، فقد تميل الأرض نحو الشمالوتغرق في اللجة المائية. وفي أسطورة البوريات أن الإلهة الأم أنجبت نفسها بنفسها عند جذع شجرة الصفصاف الذهبية، وخلق من اللجج البحرية سمكة حوت جبارة وشحنت الأرض على ظهرها. وينوّه الياقوتيون إلأى سمكات حديدية أسطورية تعيش في البحار السفلية حاملة البناء الكوني.

ويحكي بعض أساطير سكان بولينيزيا قصة ماوي الحاذق الذي ركب القارب يوماً مع أخوته ومضى يصيد السمك. وكان معه خطاف له فاعلية سحرية. فقد كان الخطاف مصنوعا نم فك جدة ماوي المدعوةة موري-رانغي-فينوي، ومصقولاً صقلاً جيداً، ومزخرفاً بالأصداف وفراء الكلاب. ولم يشأ أخوة ماوي أن يعطوه طعاماً يصيد به. لأنه كان محتالاً شهيراً، فمن يعرف بماذا يفكر الآن! عندئذٍ ضم ماوي قبضته بقوة ولكم أنفه لكمة أسالت منه الدماء فصبغ الخطاف بالدم ورماه وراء متن القارب.

فغاص الخيط الكتاني عميقاً في الماء، وعندما حركه ماوي أحس أن شيئاً ما قد علق بالخطاف. وكان الخطاف قد غاص ودخل مملكة تاتغا-روا، إله البحر، الوالد الأول للسمك. فشد ماوي الخيط وشرع يغني أغنية جعلت الثقيل خفيفاً. وها هي الأرض تظهر من تحت الماء؛ إنها تلمع كالسمكة، ذيلها المهمول يختفي وراء الأفق. لقد عامت سمكة ماوي: تي-ايكا-آ-ماوي. وهكذا رفع ماوي من تحت الماء عالماً ساطعاً ودوداً: في السهل ترتفع المنازل، التي تتصاعد أعمدة الدخان من مداخنها، والطير تغرد، والجداول تخر.

فقفز الأخوة من القارب وتراكضوا باتجاهات مختلفة، وكل منهم يريد أن يأخذ لنفسه القطعة الأفضل. أما سمكة ماوي التي كانت تسهو على سطح البحر فقد استيقظت الآن وأخذت تتقلب وتتمطى وظهرت على جوانبها أخاديد وغصون عميقة. ولذلك تقطع الجبال والوديان الجزيرة التي تحولت سمكة ماوي إليها، وللسبب عينه أيضاً جاء ساحل الجزيرة صخرياً وعراً. ومنذ ذلك الوقت والجزيرة الشمالية في زيلندا الجديدة تدعى تي- إيكا-آ-ماوي الكبيرة، ويدعى الرأس القائم على الساحل خطاف ماوي.

ويروي الأفريقيون-الفون أنه بعد أن أنشئت الأرض أخيراً بات واضحاً أن عليها أشياءكثيرة جدّاً: الجبال، والقرى، والحيوانات، والشجر. وقد ينهار هذا كله ويسقط في المحيط، الأمر الذي يضع العالم تحت خطر الهلاك، ولكي لا تقع الكارثة التفت الأفعى-قوس قزح المدعوة آيدو- خويدو، حلقة وعضّت ذيلها واستلقت تحت الأرض متحوّلة بذلك إلأى مسند آمن لها. وقد عدّ الافريقيون- الفون آيدو- خويدو هذه بالذات السلف الميثولوجي الذي خلق العالم.ويعني اسمها:" أنت خلقت قبل أن تخلق الأرض والسماء". وليس لآيدو-خويدو عائلة. فهي دائماً وحدية. والحقيقة أن بعض الأساطير تقول: إنها خرجت إلى النور مع أوّل بشريين، رجل وامرأة. لقد تحركت آيدو-خويدو عبر الأرض، فصنعت بذلك العالم المحيط؛ واتخذ هذا في آخر المطاف الصورة التي يراه الناس فيها الآن. ولما صنعت الأفعى الأرض صارت إلى مسند لها. ولكنها تعوم أحياناً خارجة من تحت الماء فتنعكس في السماء قوس قزح. ويرون أحياناً أنه ثمة اثنتين آيدو-خويدو: واحدة تعيش في البحر، والأخرى في السماء، وعلى هذه الأخيرة بالذات تنزل الصواعق إلى الأرض.

ولآيدو-خويدو خاصة واحدة: منذ البدي لا تحب الحرّ ولذلك لم تخرج من البحر. قوتها الحديد الذي كانت القردة الحمراء البحرية تصنعه. وإذا ما صادف ولم يكن عند القردة حديد، فلا يبقى لآيدو-خويدو سوى أ، تعضّ ذيلها وعندئذٍ تنزلق الأرض إلى البحر ويهلك الكون. ولكن ما يحدث الآن هزّات أرضية فقط: تقع هذه عندما تتحرك آيدو-خويدو لتأخذ الوضعية التي تريحها.

ونلقى لدى اليابانيين معتقدات شبيهة بهذه. فقد كان هؤلاء على إيمان راسخ بأن أرضهم تستقر على ظهر القرموط العظيم الحجم " نورمازدو"، أو حسب تنويعة أخرى، على حيتان مهولة. وتقع الهزات الأرضية المدمّرة عندما تتحرك هذه الكائنات الكونية. وثمة في الأشعار الروسية الروحية معتقدات تشبه هذه. ففيها يروى أن مسند الأرض تيت-سمكة أو كيترا-سمكة. وفي روسيا اعتقدوا فيما مضى بأن الأرض تستند على المياه العليا، وتستند هذه بدورها على حجر تمسك به حيتان أربعة ذهبية تقيم في النهر الناري. وقد يتحدّثون في هذا السياق عن حوت كوني متميّز: "يعيش في البحر أو في النهر الناري وحش بركاني أو بلوتوني، هو سمكة مهولة الحجم، حوت ناري، أو ثعبان إيلياثام". ومع أن هذا الحوت يقيم في البحر-المحيط إلاّ أن "رعوداً نارية" تخرج من فمه وتطير إلى البعيد البعيد، " كأنها قذائف"، وتخرج من منخريه روح "كالريح العاتية". وقصارى القول إننا نجد في أساطير شتّى شعوب الأرض مختلف المساند التي يستند البناء الكوني عليها. ولهذا كان العالم بالنسبة إليهم راسخاً.

كيف يسترجع الزمن


كاهن من بلاد ما بين النهرين

كان تقديم القرابين من أهم الأعمال التي يؤديها الكهنة الوسطاء بين البشر والآلهة. وكانت هذه تتألف من بشر، وحيوانات، وثمار، ونباتات وأشياء أخؤى كثيرة. وقد اعتقدوا بأن القربان يرسل إلأى الآلهة بصفته سفيراً خاصاً.
لقد قلنا غير مرّة إن الأساطير عاشت وفق قوانينها الخاصة التي قلّما تشبه قوانيننا نحن فهي رأت أن الكون نبض واتبع دورات يومية، وشهرية، وسنوية، و... وكان إيقاع الزمن يُحسّ كخفقان القلب. وقد رأوا في هذه النبضات صراعاً بين النور والظلام، والكاوس والكوسموس؛ ورأوا فيها أيضاً صعود قوّة الحياة وهبوطها في المجتمع والطبيعة. ولم يكن للتاريخ الذي اعتدناه نحن أيّ وجود هناك، أمّا العالم الذي أنشئ كما رأينا قبل قليل، فقد خلقه الآلهة وهم الذين يهتمّون بكل شيء فيه. وما وهبه هؤلاء للجنس البشري في بداية البدء، عُدّ الخير الأسمى، كانوا قد وهبوا كلّ ما هو ضروري: كلّ ما أحاط بالبشر وكلّ ما عاش عليه البشر. ولكن ذلك كله أستهلك مع مضي الزمن، ترهّل وتداعى ولم يعد ذا نفع، تماماً كما يستهلك المنزل والملابس والأحذية، ولذلك بات كل شيء يحتاج التجديد. حتّى الطاقة التي تلقاها العالم في بداية خلقه استهلكت شيئاً فشيئاً.
لقد كان البناء الكوني يبلي دورياً: في نهاية كلّ عام أو أي دورة زمنية أخرى؛ وكانت الإيقاعات السنوية مهمّة على وجه الخصوص. وأنا لا أعرف بدقّة كيف كان القدماء يفهمون هذا. ربّما ظنّوا أن العالم قد أخذ يتأرجح، وتقلّص عدد الطرائد في الغابات، وساءت المحاصيل عمّا كانت عليه من قبل، حتى الإمكانات المتاحة أمام الناس ضاقت حدودها؛ قصارى القول إن الزمن ساء وأخذ يسلك سلوكاً غريباً، وأخذ المسند يتسلل من تحت الأقدام، وبات من الضروري التصدّي للخطر المحدق ودرء الفوضى المقبلة. كان يجب أن يُملأ النقص، ويصحَح البناء الكوني المتأرجح، ويرمّم كما يرمّم المنزل القديم؛ لقد كان ضرورياً ضرورة ملحّة تأجيج جذوة الزمن التي خبأ وهجها.
فما الذي ينبغي فعله؟ لقد كان يجب العودة إلى الأصول، والاتصال من جديد بالأسلاف الأوائل الذي كانوا في حينه قد أعطوا العالم صورته التي هو عليها الآن. ولا شك في أن الطقس كان الوسيلة الأنجح لتحقيق ذلك؛ ولذلك كان الطقس عصب حياة المجتمع القديم. وعلاوة على ذلك كان الطقس يبدد الانفعالات الزائدة: قلق الانتظار والاضطراب، وعدم الثقة. فلماذا التذمّر من أن العالم يتأرجح؟ يجب ألاّ ننتظر إلى أن يتهاوى، بل ينبغي أن نقيم الطقس ذا الصلة، ولن يحرم الآلهة البشر من رحمتهم! وسيتلقّى البشر، والحيوانات، والنباتات احتياطياً جديداً من طاقة الحياة! ولكن ما السبيل إلى إصلاح بناء العالم المهتزّ، واستعادة الزمن؟ تماماً كما فعل الآلهة في زمن ما عندما خلقوا العالم، أي تنظيم الفوضى التي كانت سائدة قبل بدء الأزمنة، والتي تتسلل عائدة في آخر كل عام.
لقد ظنوا أن الزمن السابق يموت خلال الانتقال من دورة زمنية أخرى، ويولد على أنقاضه زمن جديد. وثمة بين هذين الزمنين، القديم والجديد، برهة تقع خارج الزمن، برهة مجهولة ولذلك فهي خطيرة، تشبه ذلك الخراب الذي كان في بداية البدايات عندما لم يكن للعالم وجود بعد. ولهذا كان من الضروري تأدية الطقوس المقررة كلها في تلك البرهة الفاصلة عينها. وتكرار أفعال الآلهة الذين خلقوا الكوسموس في حينه. وهكذا يغدو بالإمكان إعادة ذلك الزمن البدئي النقي الإلهي الذي كان قائماً لحظة الخلق.وكان الاحتفال بالعام الجديد، هو احتفال الرئيس الذي كانوا يؤدون خلاله مثل هذا الطقس.
ولم يكن لدى الشعوب القديمة تاريخ ثابت لبدء العام الجديد. فقد وافقوه عادة مع الانقلاب الربيعي أو الخريفي، والصيفي أو الشتوي، وتوافق كذلك مع طور ما من أطوار العمل الإنتاجي: جمع المحصول على سبيل المثال. لقد كان لدى كل شعب كثرة من الطقوس، وكانت هذه تطول أياماً: غالباً اثني عشر يوماً، وهو عدد أشهر العام الجديد. فقد كان من الضروري أن تطرد كل الرزايا التي كانت قد تراكمت خلال العام المنصرم،وتؤدي طقوس التطهيرويستعاد الزمن بطريقة لا تثير غضب الآلهة! وعندئذٍ كان البشر يكررون أفعال الآلهة: فعل الخلق الإلهي، ووقتئذٍ كانت تؤدى الأساطير الكوسموغونية، كما في سومر على سبيل المثال:
عند بداية البدايات، منذ نهارات خلق العالم،
عند بداية البدايات، منذ ليالي خلق العـــالم،
عند بداية البدايات، منذ سني خلق العـــالم،
عندمــــــــــــا قُررت المصــــــــــــــــــــائر،
عندمـــا وُلد الآلــــــــــــــــهة- الأنوناكي...
لكن الأساطير الكوسموغونية لم تكن تؤدى في آخر العام فقط، أو بمعنى أدق في البرهة الفاصلة بين الأعوام. فكثيراً ما كانوا يتذكرونها لدى مداواة المرضى. فإعادة بناء العالم ذهنياً كانت تقدم العون السحري لشفاء المريض: كان المريض ينتقل إلى ذلك الزمن النبيل، زمن الازدهار البدئي. كان المريض يستمع إلأى هذه الأساطير، ويحدق أحياناً في الرسومات التي رسمها المداوي فيخرج من الزمن الحاضر الرديء الذي يعيشه ليجد نفسه في الزمن الذي خلق الآلهة العظام العالم فيه. وفي أثناء ذلك كانت تتيلل إلأى داخل المريض تلك القوى التي كانت تؤثر وقتئذٍ، وهي التي كانت تساعد على شفائه. فيبدو كأنه بدأ حياته من جديد خالية من أي أمراض، بل لم يكن فيها مكان للمرض.
كما كانت الأساطير الكوسموغونية تؤدى أثناء إقامة طقوس التكريس، وهو ما تحدثنا عنه سابقاً؛ وأثناء تأدية طقوس الدفن.



ليست هناك تعليقات: